الرئيسية / مجتمع / قضايا و آراء / إيران، روسيا، تركيا ومستقبل الأسد

إيران، روسيا، تركيا ومستقبل الأسد

مايكل يونغ – ذا ناشونال الإماراتية

أظهر تقريرا صحفياً نشرته صحيفة الحياة اللندنية الطبيعة المعقدة للتدخل الخارجي في سوريا، وذكر التقرير أن الولايات المتحدة تدرس ثلاثة خطط للاستيلاء على مدينة الرقة وطرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، أحد هذه الخطط قدمت من قبل تركيا تقترح فيها أنقرة خطة عمل تستبعد وجود قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر عليها ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية.

ولكن حصر أهداف تركيا في منع ظهور كيان كردي في شمال سوريا هي فكرة قصيرة النظر، لأن أنقرة ترنو إلى لعب دور في سوريا ما بعد الحرب، والمفاجئ في ذلك أن تركيا تلقت مساعدة من قبل روسيا التي رعت مفاوضات الأستانة مع تركيا وإيران والتي ما زالت نساعد القوات التركية في التوسع في مدينة الباب وريفها.

ويأتي الانفتاح الروسي والقبول بالمشاركة التركية في ترتيبات ما بعد الحرب الروسية بعد قراءة واقعية لنقاط ضعف بشار الأسد. الأسد في بيان له الأسبوع الماضي وعد باسترداد كل بقعة من الأراضي السورية، ولكن لا يوجد قوات سورية كافية لفعل ذلك، علاوة أن تاريخ نظامه الإجرامي لا يخوله لقيادة أي عملية مصالحة ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق، من الممكن أن روسيا قد رأت مجالا لدعوة إيران وتركيا للمساعدة في تشكيل الوضع في سوريا ما بعد الحرب للوصول إلى منطقة أكثر استقرارا، أحد المواضيع التي ناقشتها موسكو مع كلا الطرفين هو إنشاء مجلس عسكري مع حكومة وفاق وطني، للجمع بين القادة العسكريين للنظام والمعارضة.

ويبقى الدور الحقيقي لمثل هكذا مجلس محط للتكهنات، فقد ذكر تقريرا صحفيا نشرته صحيفة العربي الجديد الصيف الماضي أن هذه الفكرة تمت مناقشتها من قبل الولايات المتحدة وروسيا، فيما يمكن للأسد أن يعتبر هذه الخطوة آلية لإنهاء أعدائه وتمكينه من السلطة، فيما يمكن اعتبارها من وجهة نظر أخرى أنها بداية لتقليص وإنهاء نفوذه مع ضمان أن مغادرته النهائية لن تقوض من الاتفاق المبرم لإنهاء الحرب.

وبغض النظر عن التفسير، فإن على الأسد أن يرى التعاون الروسي مع تركيا كتهديد جوهري له، فهذا التعاون يجلب أنقرة إلى التسوية السياسية التي يعتقد الأسد أنه قادر على إدارتها لوحده، بالنظر إلى الانتصارات العسكرية الحاسمة التي حققها في الأشهر الأخيرة.

لكن من الواضح أن الروس يفكرون في أبعد من ذلك، فقد أدركوا وجود عشرات الألوف من مقاتلي المعارضة السورية الذين يجب ضمهم ضمن التسوية النهائية، وطالما أن الأسد في السلطة فمن المستحيل إعادة بناء سوريا من جديد، وتعطي هاتين الحقيقتين فكرة عن صعوبة تمكين الوضع في مرحلة ما بعد الحرب ضمن الشروط والظروف الراهنة، بغض النظر إذا ما تم هزيمة المعارضة أم لا.

وهنا تأتي أهمية الدور التركي، فالأتراك لوحدهم يتحكمون بشريان الحياة للعديد من مجموعات المعارضة، وحتى بعض التنظيمات المتشددة مثل جبهة فتح الشام المعروفة سابقا بجبهة النصرة، لذلك فإن مشاركة أنقرة ضمن التسوية هي أمر أساسي، وأكثر من ذلك فإن على جهة في المنطقة أن تتكلم باسم المصالح السنية في سوريا، وأنقرة لوحدها مدعومة بدول الخليج العربي لديها هذه القدرة اليوم.

ولهذا السبب فإن التدخل العسكري التركي في سوريا الصيف الماضي، قد يكون قد تم الموافقة عليه من قبل الروس، مقابل سحب تركيا لعدد كبير من المقاتلين على جبهات حلب المدينة وإعادة نشرهم في المناطق الحدودية، الخطوة التي مهدت الطريق لسقوط المدينة، لكن في الوقت نفسه جلبت تركيا ومشاركتها الحتمية في إنجاز أي تسوية في سوريا.

جميع هذه المؤشرات تدل أن سوريا تتجه نحو نظام حكم غير مركزي في المستقبل، فالعودة إلى نظام الحكم ما قبل ٢٠١١ هو أمر من المستحيل تصوره اليوم، فإذا ما تمكنت تركيا من بناء قوتها الرافعة داخل سوريا اليوم، وبالأخص فإن مناطق النفوذ هذه ستكون في مناطق قريبة من الحدود السورية-التركية، حيث من الممكن أن يعود اللاجئون السوريون إلى تلك المناطق، سيكون من الصعب أن نتخيل أن سلطة الأسد سوف تمتد لهذه المناطق، علاوة أن القبول الروسي بمثل هذا السيناريو يكشف عن العديد من الحقائق في هذا السياق.

وفي الطرف المقابل، لا تبدو إيران مستعدة لمعارضة مثل هذا السيناريو طالما أن مصالحها في سوريا مضمونة ومحافظ عليها، وفوق جميع هذه المصالح هو الحفاظ على خط إمداد لحزب الله في لبنان، وعلى الأسد أن يعي لحقيقة مهمة وهي أن سلطته تقلصت بشكل كبير من خلال اعتماده على القوى الخارجية لإنقاذ نظامه من السقوط، لدرجة أن كلمته ورأيه بخصوص أي محصلة نهائية في سوريا سيكون لها تأثير محدود.

مع وجود الجيوش الروسية، الإيرانية والتركية على أراضيه، يجد بشار الأسد نفسه في موقف صعب لا يحسد عليه، سوريا ستبقى عرضة لتداخلات لأجندات الدول الخارجية، وهذه الحقيقة تجلت بصورة واضحة خلال مفاوضات الأستانة التي تمت برعاية روسية، إيرانية وتركية، هذه الدول هي التي كتبت البيان الختامي للاجتماعات، فيما كان المشاركون السوريين بمثابة مشاهدين افتراضيين.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

ماذا يريد بوتين من سورية ومن السوريين؟

محمد فاروق الإمام بعد كل الجرائم التي ارتكبها والوحشية التي نفذها بحق الشعب السوري والمدن …