الرئيسية / منوعة / ترجمات / الخروج من حلقة العنف المفرغة في سوريا

الخروج من حلقة العنف المفرغة في سوريا

حسن حسن – ذا ناشيونال

مع تصاعد العنف بين تركيا والميليشيات الكردية في شمال سوريا، استذكرت حوارا دار بيني وبين صديق كردي قبل خمس سنوات حول الطريق الأفضل بالنسبة للقسم الشرقي في سوريا. واتفقنا في حينها أن المكونات الديموغرافية المتعددة التي تعيش في تلك المنطقة، الممتدة من حلب وحتى حدود العراق، هي حاكمة لنفسها تاريخيا، وأن الشكل الأفضل لنظام الحكم في المستقبل هو النظام اللامركزي.

هذه المناطق هي منفصلة جغرافيا عن دمشق، فالرحلة إليها التي تستغرق عدة ساعات عبر صحراء خالية تذكرنا دائما بأن هذه المنطقة هي جزء منفصل عن سوريا. وحتى في الوقت الذي كانت فيه المنطقة الشرقية تحكم مركزيا من دمشق، فسكانها استمروا بالتجارة فيما بينهم بالطريقة التي عملوا بها تاريخيا. فالتجار من المنطقة الشرقية يبيعون المنتجات الزراعية في حلب، فيما يشترون البضائع المصنعة، الأثاث والملابس من هناك.

حكم حزب البعث جلب للمناطق الشرقية مزيج من التهميش، عدم الكفاءة والتنمية المحدودة. المنطقة المكونة من الرقة، الحسكة ودير الزور عادة ما يطلق عليها “المناطق النائية” أو المناطق البعيدة. في هذه المناطق طلاب المرحلة الثانوية يمنحون ميزات إضافية فقط لتؤكد على مستوى التعليم المتدني لديهم. فعلى سبيل المثال، كل طالب من هذه المناطق يعطى ٣ درجات إضافية ليعادل المحصلة النهائية للطلاب في باقي المناطق.

جزء كبير من النقاش الدائر اليوم حول الأزمة الثانوية في المنطقة يتركز حول وجوب دعم الـ “واي بي جي” أو ما يعرف بوحدات حماية الشعب، المجموعة التي نشأت أساسا من حزب العمال الكردستاني، والمصنف على لائحة الإرهاب في تركيا والولايات المتحدة.

وكشخص ينتمي إلى المناطق الشرقية في سوريا، أرى مشكلة في الدعم غير المشروط الذي تقدمه الولايات المتحدة لهذه الوحدات، لكن في نفس الوقت ألاحظ أيضا القيمة الفريدة لصعود نفوذ واشنطن في المنطقة. وبذلك فإن مخرجا من الحلقة المفرغة في سوريا أصبح ممكنا.

وأدى التحالف الناشئ بين وحدات حماية الشعب والولايات المتحدة في محاربة تنظيم “داعش” إلى زيادة احتمال قيام نظام حكم لا مركزي في شرق وشمال سوريا، كما أدى ذلك إلى تصور وجود مناطق مستقرة تمنع فيها الولايات المتحدة قوات النظام وحلفاؤه من قصفها. بينما المعارضة لم تنجح في خلق مثل هكذا سيناريو ويعود ذلك في جزء منه إلى التردد الأميركي لتطبيق ذلك مع المعارضة وجزء آخر يعود إلى قبول النظام وسماحه بنشوء مثل هذه الاتفاقيات مع قوى يعتبرها قابلة للتعاون معه.

الوجود الأميركي المتنامي في المنطقة يعطي فرصة ليس فقط لوحدات حماية الشعب بل أيضا للمعارضة وللمدن التي كانت تحكم من قبل داعش. وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على مدى رغبة واشنطن في اتخاذ الخطوة التالية وترجمة وجودها العسكري إلى قوة فاعلة تمكنها من إنهاء حلقة العنف على الأقل في جزء من سوريا. كما يعتمد على قدرة المعارضة من الاستفادة من الوجود الأمريكي.

العديد من قوى المعارضة أظهرت نفورا لمفهوم الحكم الفيدرالي في سوريا، حيث خلطت بينه وبين مفهوم التقسيم، فيما طبق الأكراد الفيدرالية على الأرض. وكما كتب مرات عديدة في هذه المساحة، فمن المحتمل أن يثمن السوريون النظام المطبق حاليا في شمال شرق البلاد بالرغم من معارضتهم للقوى التي تطبقه.

السياسة التي اتبعتها تركيا خلال الست سنوات الماضية كانت مثيرة للجدل وغالبا ما كانت مقلقة، وخاصة قبل إطلاق عملية درع الفرات التي نجحت في طرد داعش من مساحة تقدر بـ ٥٠٠٠ كيلو متر مربع في الشمال السوري. ومهدت السياسة السابقة لتركيا لسيطرة الجماعات المتطرفة مثل فرع القاعدة جبهة النصرة والتي غيرت اسمها لاحقا إلى فتح الشام ومن ثم هيئة تحرير الشام، وأحرار الشام.

أنا لست غافلا عن المشاكل التي قد تظهر في منطقتي في حال قررت تركيا مواجهة وحدات حماية الشعب واتبعت سياسة مماثلة في شمال شرق سوريا. والملفت للنظر أيضا هو أن سياسة تركيا بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام ٢٠٠٣ أنتجت أنماطا مشابهة، حيث أدى دعمها للميليشيات التركمانية التي عملت بالقرب مع القاعدة في تلعفر إلى تعزيز سلطة المتطرفين من دون أن يتحول هذا إلى قوة رافعة لأنقرة في العراق. وإذا لم تحقق تركيا أهدافها في شمال سوريا سوف تستمر في لعب دور غير بناء والذي من الممكن له أن يطيل من عمر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.

وبنفس السياق فإني أرى وبوضوح مشاكل عديدة ناجمة عن الدعم غير المشروط لوحدات حماية الشعب ومشروعها في شمال وشرق سوريا، والذي يجعل في النهاية من النظام المطبق في شمال شرق سوريا مجرد عربة لقيادة مخططات الميليشيات الكردية التوسعية وأجندتها السياسية غير المستدامة.

وحيث تقف الأوضاع عليه الآن، فإن الدعم غير المشروط لوحدات حماية الشعب وعدم وجود استراتيجية بعيدة المدى للعمليات الأمريكية في شرق سوريا يمثلان عيوب جوهرية في المقاربة الأمريكية للقضية السورية. وهذه العيوب قد تنتج الشروط اللازمة لإعادة إحياء تنظيم “داعش”، أو عودة الجهاديين إلى شرق سوريا وإطلاق أزمات ثانوية قد تكون في المستقبل معقدة أكثر من الأزمة السورية الحالية.

جميع هذه المسائل يمكن تفاديها وبإمكان الولايات المتحدة أن تحول المنطقة الشرقية إلى قصة نجاح، من دون هدم التحالف بينها وبين الميليشيات الكردية. العامل الأساسي هو في أن تتولى واشنطن دورا قياديا حازما لموازنة الوضع في المنطقة. ولمصلحة الكرد والعرب، ولتأمين حدود حليفتها في الناتو والمنطقة بشكل عام. ولا يمكنني إلا أن آمل في أن تسعى الولايات المتحدة إلى إنشاء صيغة فعالة مبنية على أساس خروجها من الأزمة السورية تاركة ورائها هيكليات محلية مستدامة ودولة جارة تعمل على دعم هذه الهيكليات وليس تحطيمها.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

انشقاق قياديي النصرة الأسباب والتداعيات

حسن حسن | صحيفة ذا ناشيونال الاماراتية | ترجمة تمدن في عام 2008 كشف قياديان …