الرئيسية / مجتمع / بحث و تحليل / القراءة الإلكترونية … آثار جانبية

القراءة الإلكترونية … آثار جانبية

حسين جرود

أصبح العالم يتكوَّن من أولئك الذين يصنعون الأجهزة، وأولئك الذين يتسمَّرون أمامها”، يقول كاتب سوري مشيراً إلى هذه الفجوة الرقمية التي تتسع، كما أوضح الجهل المطبق الذي نعانيه، غالبيتنا، تجاهها: “عندما يحدث عطل ما في أي جهاز تسمع من حولك عبارة يتيمة، أجربت أن تطفأ الجهاز وتعيد تشغيله، ثم يسود الصمت”.

أصبحت التكنولوجيا نافذة أساسية نطل من خلالها على العالم الذي يزداد تعقيداً، هذه التكنولوجيا التي لا نملك من أمر صناعتها أو تطويرها شيئاً، بل هي التي تتحكم في حياتنا ووعينا وخياراتنا.

خيار وحيد

منذ عشر سنوات، لم يكن لقراءة الكتب الإلكترونية حضور كبير في عالمنا العربي، فكان استخدام الانترنت يقتصر على عمليات البحث وقراءة بعض المقالات لا سيما الممنوعة منها، فيما غدت اليوم وسيلة يستخدمها نسبة كبيرة من الشباب، والمخضرمين أيضاً؛ الذين صاحبوا الكتاب الورقي سنيناً طويلة، يعود ذلك لارتفاع أسعار الكتب، وقلة الاهتمام من قبل المراكز والمؤسسات الثقافية، أو غيابها، وأيضاً بهدف الحصول على الكتب الممنوعة، أو التي نفدت نسخها.

ومع ما لهذه الوسيلة من فوائد، أثبتت الدراسات الحديثة آثاراً جانبية عديدة، يتعلق بعضها بالضرر الجسمي وبعضها الآخر بمقارنة مستوى الفهم، أو جودة القراءة بين الوسائل المختلفة.

التشتيت الإلكتروني

“آن مانجن”، أستاذ في المركز القومي لدراسة القراءة في النرويج، ترى أن القراءة عملية تفاعلية بين القارئ والوسيط، فمثلاً تشجعنا الشاشة على القراءة المسحية، والمرور السريع مقابل قلب الصفحة تلو الأخرى، وهذا يعود أيضاً بسبب طبيعة التعامل مع كم كبير من المعلومات، فنحن نعلم أن هناك مئات المقالات والمواضيع الأخرى، فتجربة القراءة هنا مختلفة كلياً، وقد فشل طلاب قرأوا قصة بسيطة على الأجهزة في رواية أحداثها، بشكل متسلسل، مقارنة مع من قرأوها مطبوعة بالرغم من بساطة الحبكة، والأحداث غير المعقدة. وأشارت دراسة مماثلة أجريت في جامعة ولاية “سان خوسيه” إلى ما نستنفذه من طاقة على الانترنت بسبب حاجتنا لتمييز الروابط المفيدة من غيرها، ومن مقاومة التشتيت الحاصل على المواقع المختلفة، وإصابة أعيننا بالإرهاق بسبب التغير الذي نتعرض له من الشاشات، وتغير شكل الصفحات، والألوان، وهي مشكلة موجودة أيضاً في أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية.

تقول “ماري دايسون” أخصائية علم النفس في جامعة “ريدنج” أن تخطيط النصوص له تأثير على تجربة القراءة فإذا أصبحت النصوص طويلة جداً يجعلنا ننتقل بسرعة بين الأسطر ونتجاوز الكلمات وأيضا أننا نقرأ بكفاءة أكبر عندما يكون النص يتكون من عمود واحد فقط.

يعتبر الانترنت أهم وسائل التشتيت، وأيضاً مع كل انتقال نحتاج لإعادة التكيف مع حجم ولون وشكل الكتابة وتخطيط الصفحة، وبعيداً عن الأهمية المبالغ فيها للوجود المادي للكتاب الورقي أكدت دراسات قديمة عديدة أنه لا يوجد فرق بين الكتاب الورقي والإلكتروني عند قطع الاتصال بالانترنت.

عادات جديدة

“ماريان وولف” التي نشرت كتابها “قصة القراءة” تلقت العديد من الرسائل من مهندسين ومدرسين يشتكون من انخفاض مستوى الفهم لدى طلابهم واعتمادهم عقلية القص واللصق التي تهدد فقدان الكثير من المعلومات التي يتعاملون بها، وفشلهم في الغوص لعمق الدراسة.

تقول وولف أنه لا يمكننا العودة إلى الوراء وينبغي التكيف مع الوسائل الجديدة، وأشارت إلى كون القراءة الإلكترونية تتطلب قدراً من ضبط النفس، والتحكم في الذات، وأن تراجع القراءة العميقة ليس بسبب ضمور مهارات القراءة، بل بسبب احتياجنا لمهارات جديدة من نوع مختلف تماماً، مثل تدريب النفس على تركيز الانتباه، فمثلاً: وجدت دراسات حديثة أن الأشخاص الذي يلعبون على الانترنت هم قراء أفضل إلكترونياً، وأيضاً عند تحديد نفس الوقت للطلاب للقراءة على الأجهزة الالكترونية والورقية جاءت نتائج الفهم متقاربة لكن أداؤهم انخفض عندما كان عليهم ضبط النفس بأنفسهم، وقالت وولف أنه عبر إدخال العناصر التفاعلية يمكن تحسين الفهم.

تأثير على النوم

وجدت “أني ماري تشانغ”، أستاذ مشارك في الصحة السلوكية في جامعة “بنسلفانيا”، وزملاؤها عندما قارنوا القراء الذين يقرأون إلكترونيًا مع أولئك الذي يقرأون الكتب المطبوعة أن الأشخاص الذين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية تضطرب أنماط نومهم أكثر، ويستيقظون متعبين في الصباح أكثر من أولئك الذي يقرأون الكتب التقليدية.

فقد لوحظ فارق بين أنماط النوم واليقظة لكل مشارك تبعًا لطريقة قراءته؛ فعندما قرأ المشاركون من “آي باد” فإن مستويات الميلاتونين فشلت في الوصول للمستوى المطلوب للجسم، في حين أنها بقيت في المستويات المتوقعة عند القراءة من الكتاب، وقد أدى ذلك إلى تأخير في الإشارة البيولوجية للجسم للاستغراق في النوم حوالي ساعة ونصف؛ مما جعل المشاركين أكثر يقظة، وبالتالي غير مهيئين للنوم.

وعندما بحث العلماء في أنماط النوم، وجدوا أن الاختلافات تصبح أكثر عمقًا. فقراء الأجهزة الإلكترونية، كانت فترات (REM) في نومهم – وهي المرحلة التي يتم فيها تجميع الذكريات ويبدأ الدماغ بإنعاش نفسه- أقصر مما هي عليه عند الأشخاص الذين يقرأون من الكتب المطبوعة. حدث هذا مع أن كل المتطوعين ينام نفس مقدار الوقت، أي ثماني ساعات في كل ليلة. وقد أوصت الدراسة بإبعاد الهواتف المحمولة عن السرير بشكل نهائي، حيث ان المشاركون بالدراسة امتدت مرحلة النعاس معهم لصباح اليوم التالي لأنهم شعروا في الصباح بقلة النوم والنعاس، وعند عمل اختبارات اليقظة مع أولئك الذين يقرأون ورقيًا لم يظهر عليهم أي تأثير في اليوم التالي.

المبيعات

لم يكن الجميع سعداء بانتشار الكتب الإلكترونية، فناشرو الكتب يراقبون معركة مبيعات الكتب الورقية مقابل الإلكترونية باهتمام بالغ. وبدا توم تيفنان، من مجلة “ذا بوكسيلر”، مرتاحاً وهو يقول مؤخرا إن مبيعات الكتب الإلكترونية انخفضت للمرة الأولى.

وقال: “بالنسبة لأولئك الذين تنبأوا بنهاية الكتاب الورقي وهيمنة الكتب الإلكترونية على السوق مع نهاية هذا العقد، فإن أرقام المبيعات المطبوعة والرقمية لعام 2015 قد تجبرهم على إعادة تقييم الأمور.”

قد تكون الكتب الورقية ما زالت هي المهيمنة في الوقت الراهن، لكن الأجيال الجديدة قد يكون لها رأي مختلف، كما أن الانترنت خلق مساحة للشعوب الفقيرة والمضطهدة ومكنها من الحصول على المعارف المختلفة.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

اللقيط السوري إلى أين؟

وجيهة عبد الرحمن قد يكتبون على جلده، ناحية القلب كلمة (لقيط)، أجزم أنَّ الألم الذي …