الرئيسية / مجتمع / بحث و تحليل / اللقيط السوري إلى أين؟

اللقيط السوري إلى أين؟

وجيهة عبد الرحمن
قد يكتبون على جلده، ناحية القلب كلمة (لقيط)، أجزم أنَّ الألم الذي يسبَّبه ذلك القلم الذي كتب به أحدهم تلك الكلمة هي أشد إيلاماً من رصاصة بندقية، وأنَّ ذلك الرضيع يتألم ربَّما أكثر ممن سقط عليهم برميل متفجر أو تبعثرت اشلاؤهم من جرَّاء قذيفة هاون.

أيَّة أصابع تلك التي تستطيع أن تخطَّ تلك الكلمة، تجاوزاً تداعياتها (الكلمة) على طفل رضيع جاء إلى الحياة دون إذن منه، وذلك عندما رغب والدان بإنجابه، أو عندما سيطرت على ذلك الشاب وتلك الفتاة الشهوة لاختراق تابو الخطيئة، في زمن بات فيه الشرف هو الخطيئة الكبرى، تناسيا أنَّ الدمار الذي تخلِّفه الحروب والثورات المفتعلة هو أكبر خطيئة، وأنَّ ذبح الإنسان كالنعجة هو من أكبر الكبائر.

موضوع عاد بي إلى أيام طفولتي، إلى زوجة عمي الأرمنية التي أصبحت زوجة لعمي بسبب (الفرمان) وهو القرارا لذي أصدره “الباب العالي” العثماني لتهجير المسيحيين الأرمن من تركيا، مماشكل كارثة إنسانية، أصبح مئات الأطفال لقطاء حينها، وكانت زوجة عمي إحدى اولئك الأطفال، بالرغم من أنَّها انجبت لعمي خمسة أولاد (صبيان) وكانوا غاية في الجمال إلا أنَّها لم تشعر يوماً بالانتماء إلى بيتها، الذي كان من المفترض أن تكون سيدته، أرجِّح ذلك إلى أنَّها ذات يوم كانت لقيطة وأشفق عليها عمي وتزوجها، وأصبحت تلك الصفة كدمغة لم تغادرها بالرغم من مضي سنوات طويلة على الحدث (الفرمان).

اللقطاء
تعددت التعاريف والتوصيفات لكلمة اللقيط، ولكنَّها كلَّها في نهاية المطاف تصبُّ في تعريف واحد وهو:
اللقيط: هو الولد الذي يعثر عليه ولايعرف والداه، فهو ولد بدون نسب (قد يكون ابن زنا أو لايكون) أي قد يكون اللقيط ابن غير شرعي لأبويين غير شرعيين، أو ابنا شرعياً لأبوين شرعيين ولكنَّه فقدهما أو فقدوه نتيجة أزمة ما، ولم يعد بالإمكان الوصول إليه، وفي كلا الحالين يعتبر ذلك الطفل لقيطاً في نظر المجتمع والقانون.
يحكم الناس على اللقيط على أنَّه ابن زنا وأنَّه كما يقال (مقطوع من شجرة) لاأهل له ولاعشيرة، ولكن يصدف أن يكون ذلك الحكم خاطئاً، ومن أهم الأسباب لرميه إلى الشارع.
قد يكون له أبوين شرعيين ولكنه (الطفل) رُميّ به إلى الشارع لاستفحال المشاكل بين أبويه، فقد ترمي به الأم لقطع آخر مايربطها برجل تراه فاسداً أو منحرفا ًأخلاقيا، أو قد تتخلى عنه الأم فيقوم الأب برميه لعجزه عن القيام بأعباء تربيته، قد يكون له أم ولكنَّها عجزت عن إثبات زواجها ، حين يكون الزواج خارج المحكمة وقد تترك إحدى الأمهات ابنها في الشارع بسبب عدم قدرتها على إعالته لمرض ألمَّ بها أو بسبب الفقر.
تردي الوضع الاقتصادي للأبوين الذين يدفعهم ذلك إلى التخلي عن طفلهم، كل تلك الأسباب وغيرها تعتبر من الانتهاكات السافرة لحقوق الطفل.

أحكام اللقيط
إن من يعثر عليه هو أولى بأخذه، خاصة إذا وجد في مكان يغلب عليه الظن هلاكه فيكون آثما ذاك الذي عثر عليه وتركه، لأنَّ اللقيط هنا فب هذه الحالة مخلوق ضعيف.
ربما يرفض من عثر عليه تسليمه للجهات الرسمية ويرغب في الاحتفاظ به ومنحه نسبه، في هذه الحالة من الواجب عليه الصرف على الطفل دون تذمًّر، وإن وجد المال مع الطفل وجب الصرف عليه والنفقة من ماله، اما إذا عجز العاثر على الطفل عن إعالته وجب على الدولة الانفاق عليه .
كما لايجوز احتضان اللقيط من قبل البدو والرحل لأنَّ ذلك يبعده عن مكانه الحقيقي، ويصبح من الصعب العثور عليه من قبل الأهل والمعارف.
يتوقف مستقبل اللقيط على البيئة التي انتقل إليها، فإذا كان من عثر عليه آثما أو فاسداً فإنَّ ذلك سيؤثر سلبا على مستقبل الطفل الذي قد يتحول إلى أحد الفاسدين في المجتمع ما أن يكبر، لأن البيئة التي احتضنته كانت فاسدة.
اما إذا كانت البيئة الحاضنة بيئة صحية فإنَّها ستعمل على إدماج هذا الطفل في المجتمع ليعيش حياة طبيعية لاتختلف عن باقي الأطفال .
لابد من التنويه أنه لاتوجد إحصائيات دقيقة عن اللقطاء وذلك للأسباب التالية :
أن معظم اللقطاء يدونون في السجلات الرسمية للدولة العربية الإسلامية على أنَّهم أيتام.
التكتم من قبل الدول الإسلامية على نسبة اللقطاء للحفاظ على الصورة الأخلاقية للدولة.
ومع ذلك فإن مؤشِّر الإحصائيات في بعض الدول يشير إلى ازدياد في عدد اللقطاء يوميا للأسباب المذكورة أعلاه، ففي الجزائر مثلاً 2800-3300 طفل سنوياً يولدون غير شرعيين، بموجب هذه النسبة في بلد واحد، نحن أمام انحلال وفساد أخلاقي في المجتمعات العربية الإسلامية ومجتمعات المنطقة بأكملها.

اللقطاء السوريون
بالعودة إلى ماتم ذكره عن لقطاء الأرمن الذين نتجوا عن (الفرمان) فإنَّنا أمام تاريخ يعيد نفسه، ولكن بأدوات وأساليب مختلفة، هذه المرَّه تجربة الحرب السورية والتي تعتبر من أشرس الحروب بعد الحربيين العالميتين ، ولن نستثني من ذلك تجربة (ليبيا- اليمن) .
ففي سوريا تعرِّض الأطفال خلال الأزمة الطويلة، وغير واضحة المعالم والنهاية إلى شتى صنوف العذابات، ابتداء من تبعثر أشلائهم تحت أنقاض البيوت وقتلهم في الطرقات، إلى تجنيدهم واغتصابهم وعمالتهم، وإلى بروز ظاهرة الطفل اللقيط الذي نتج عن تلك الحرب، بفعل الكثير من الأسباب التي تمَّ ذكرها وبخاصة فقدان الأبوين والاغتصاب في المخيمات وغيرها من الأمكنة التي تعرَّضت فيها المرأة السورية للإبتزاز والمساومة على لقمة عيشها وأمانها.

والحال كذا في سوريا والشرح يطول بمجرد الدخول في التفاصيل ، إذ أنَّ التجربة السورية للثورة واضحة للقاصي والداني، لابد من السؤال التالي:
ماهو مصير لقطاء سوريا وقد تبعثروا في العالم الرحب، ومؤسسات الدولة السورية غير قادرة على القيام بإعالة اللقطاء والأيتام وكذلك الدول التي انتقل إليها السوريون.
ليحيلنا هذا السؤال إلى البحث عن الحلول التي من الممكن إيجادها، أولا للحدِّ من هذه الحالة ، وثانيا لإيجاد حلول لمشاكلهم، ، ليكون التبني هو أفضل الحلول لمشاكل اللقطاء، ثمَّ لكي يتخلص الطفل من صفة اللقيط لابد من دمجه في نسب يمكنه من إتمام حياته بشكل صحي، حتى لحظة الانخراط في المجتمع، وقبل كل ذلك لابد من البحث عن أبويه إذا كان الطفل شرعياً.

ولايغفل علينا أن العلم الحديث توصل إلى قرائن دامغة من شأنها إعادة أطفال مجهولي الأبوين إلى والديهم، ولكن إلى أية درجة يمكن لأيَّة وسيلة طبية وإن وصلت إلى أعلى درجات التطور والتقدم العلمي، من إعادة اللقطاء السوريون الذين تبعثرت أشلاء ذويهم وصارت فتاتاً أو تفحَّمت جثثهم.
أزمة الطفل اللقيط معقدة، فهي مبنية على أساس ماضيه أو سنوات ماقبل ولادته وتمتدُّ إلى مستقبله الذي يعكس أزمة واقع مؤلم، على أنَّه من الصعب جداً الشعور بشعور من لايعلم بأمر والديه، وأنه مجهول النسب كالريشة في مهب الرياح.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

من يصنع الطاغية وكيف؟ (2)

وجيهة عبد الرحمن توقفنا في المقال السابق عن آلية استمرار عمر الظاعية وزيادة بطشه بمحكوميه …