الرئيسية / منوعة / الثقافية / “جَماعات سرِّية: أساطير وحقائق”: أليست قيمة الخير في أن يُنشر من دون ترميز ومواربة؟

“جَماعات سرِّية: أساطير وحقائق”: أليست قيمة الخير في أن يُنشر من دون ترميز ومواربة؟

نجم الدين خلف الله

لا تزال الجماعات السرِّية تثير اهتمام الباحثين المتخصصين، وسائر القُرّاء العاديين، لما تحمله في خَباياها من غموضٍ وإلغازٍ. ويشد موضوعها المتابعين من كلِّ الفئات الثقافية لما فيه من غرابةٍ تثير الفُضول وتقضي العَجَب. وفي استجابة لهذا التطلع، أصدر الصحافي الفرنسي دومينيك لابريار Dominque LABARRIÈRE تأليفًا حديثا، طُبِع في الأشهر القليلة الماضية، وفيه قدَّم بحثًا مستفيضًا عن “الجماعات السِريِّة” التي تعتمد قيمًا عرفانية، وأخرى رمزية، لتشريع أنشطتها الفكرية والسياسية. وربما تعاظم طموحُ بعضها، فسعت إلى تغيير نظام العالَم، ونشر قيم “التنوير”، وتوسلت، لتحقيق غاياتها، بفكرة تطهير الذات، وشيوع الأنوار، ولاسيما لدى أبناء طوائفها المُنتَخبين، الذين ينتظمون ضمن جماعات وهيئاتٍ ومحافلَ، يغلب عليها الكتمان والتخفي، وهما جزءٌ لا يتجزأ من استراتيجياتها على امتداد التاريخ، رغم أنَّ أعضاءها يعيشون في المجتمع وينتمون إلى سائر الطبقات فيه.

وعمل هذا الصحافي، وهو متخصص في معضلات القضاء والسرديات الغامضة، على الإجابة عن سؤالٍ مركزي: هل تمثل الجماعات السرية مرآةً للعالَم، وصورة عاكسة لتوتراته وتحولاته؟ وللإجابة عن هذه الإشكال، توسع في إعادة بناء تواريخ أبرز هذه الجماعات، موليًا أهمية كبرى لأنماط تنظيمها الداخلية، وشعائر الإدماج، المُتبعة حين ينضم إليها أعضاء جُدد، كما توسع في رصد صلاتها المعقدة مع المعرفة نموذجًا في مخاطبة العقل، ومع السلطة جهازًا للتحكم في مصائر الناس وثَرَواتهم.

زَيَّن لابريار هذا الكتاب الاستقصائيَّ بمجموعة من النوادر والقصص الغرائبية والأحداث الفارقة يسردها ضمن رؤية تاريخيَّة، يُبَيِّن من خلالها أهمَّ التطورات التي شهدتها هذه الجماعات، عبر تفاعلها الوثيق مع السياقات العالمية، وشبكات الشخصيات والرموز النافذة. وهكذا، توَصَّل الكاتب – بفضل أسلوبه الشيق- إلى إيضاح العديد من الجوانب المظلمة والعصيَّة في المجتمعات الغربية، القديم منها والحديث. وبالاعتماد على المنهج الكرونولوجي، قسَّم المؤلف كتابَه إلى مراحل متتابعة: عرض في القسم الأول إلى الجماعات التي ظهرت في مصر الفرعونية، وفي الأجزاء الموالية إلى تلك التي شهدتها القرون الوسطى، حتى وصَل إلى العصر الراهن، فخَصَّصَ الفصلَ الأخير للحَرَكة الماسونية، وبَيَّنَ ظروف نشأتها وعلاقات رؤساء الدول والملوك بها، فضلاً عن طرق تنظيمها وشعائر الانتماء إليها. وقد يَسَّر له هذا المنهج الزمني إنجازَ تعقب دقيق للفِرَق السرية التي عملَ بعضها على نشر ثقافة الأنوار، وساهمَ البعض الآخر في استشراء الظلامية والأفكار الهدامة.

هذا، وضمَّن الكاتب صفحةَ غلاف كتابه عنوانًا فرعيًا: “أساطير، حقائق، تضخيمات وأراجيف”، للدلالة على أنَّه لم يقتصر في بحثه هذا على جوانب التأريخ فحسب، بل تعداه إلى استكشاف خصائص هذه التنظيمات، والأساطير التي تُحيط بها، كما استعاد صورتها في المخيال الجماعي (الشعبي والرسمي)، في العصر الحديث الذي أضفى عليها الكثير من التهويلات، حتى صار يربط التحولات الكبرى التي هزت الحضارة بتأثيراتها، ولكنه اعتبرَ أنَّ الكثير مما يُنسب إلى رواد هذه الجماعات ووجوهها البارزة مجرَّد “حماقات”، لا أساس لها من الصحة. ومن الأمثلة التي ضربها على ذلك، الربط بين صورة الرئيس الفرنسي إيمانيال ماكرون وهو يعقد يَدَيْه، ورمز جماعة سرية ينتمي هو إليها، وتنشط هي في فرنسا خدمةً لمصالحها.

وهكذا تتوالى فصول الكتاب الشيقة في متابعة لأكبر الجمعيات السرية في العالَم منذ العصور الوسطى، بأسلوب واضحٍ، رغم كثرة المعلومات والمواد التي قدمها للتعريف بها، فأطلع بذلك القارئَ على عالم “غَيْبي” موازٍ للعالم المعروف، مفصِّلا ضمن المعطيات التي أوردها بين حقائق التاريخ وتضخيم الخيال، وبين المبالغة في تقدير دورها وإنكاره بالمَرَّة.

أما المسالك التي يمكن أن يفتتحها هذا الكتاب في الثقافة العربية فكثيرة: فمن ذلك إعادة النظر في تاريخ رواد النهضة الأوائل، الذين نشطوا طيلة القرن التاسع عشر، ومن أشهرهم جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، وقد رُمُوا بالانتماء إلى الحركة الماسونية، واعتبرت الكثير من أطروحاتهم استعادةً لمفاهيم غنوصية وعقلانية صاغها مفكرو الماسونية الفرنسية. ومنها أيضًا البحث في استناد بعض هذه الجماعات إلى العرفانية الإسلامية، وما أنشأته من معارف رمزية تتصل بالأعداد وأسرارها. وقد تتلاقى ببعض تيارات التصوف الفلسفي بهذه الحركات التي وجدت فيه مرجعية ثرية، طعمت بها نظرياتها وغذت أفكارها الرمزية، وهي التي توسلت بالصياغة الأدبية والحِكْمية لتجعل من نصوصها بياناتٍ تطهيرية.

وأخيرا قد يستلهم بعض الباحثين عندنا هذا المُؤَلَّفَ ويستفيدون من منهجيته الجامعة بين صرامة الحفر التاريخي وطرافة السرد الأدبي، ولعلَّ دراسات من هذا القبيل أن تُعيد صياغة تاريخ الفِرق الإسلامية والجماعات السرية على ضوئها، مثل ما يمكن القيام به مع حركة “إخوان الصفا وخلان الوفا” التي أشار إليها التوحيدي في “الإمتاع والمؤانسة”. ومن المفيد أيضا أن يَتَخصص بعض الدارسين في استقصاء هيكلة الجماعات التي تعمل في ثنايا المجتمعات العربية الحديثة وفي التنقيب في آليات اشتغالها وشبكات تعالقها مع السلطة والمعرفة حتى تُضاء الجوانب المهمشة في مجتمعاتنا.

يظل السؤال في الختام مشروعًا: إن كانت هذه الجماعات تنشر أنوار المعرفة وجمالية القيم الإنسانية الكبرى فلمَ التخفي والتقية؟ أليست قيمة الخير في أن ينشر دون مواربة ولا ترميز؟ وأليس ادعاء نخبوية هذه المجموعات مجرد تكريس لحكم فئة شغوفة بالسلطة والنفوذ؟

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

ماذا بعد الحروب والكراهية؟

زياد السبيت جلست أنظر إلى قافلة النمل وهي تسير من مكان إلى مكان محمّلة بالمؤن …