الرئيسية / محليات / إضاءات / خالد العيسى.. هكذا يصنع العظماء ثوراتهم

خالد العيسى.. هكذا يصنع العظماء ثوراتهم

تمدن | أحمد مراد

اعتاد البقاء في الظل، من خيمة كفرنبل أوائل الثورة، وحتى لحظة استشهاده، لكنه دائما ما كان ذلك البطل الذي لا يتصف بملامح البطولة، لم تكن شخصية خالد العيسى تدل على ذلك البطل الثوري بجبروته، ولا وجهه الصبياني، وضحكته الطفولية، وحتى صوته المبحوح، لكن ما فعله منذ أيام الثورة الأولى وحتى لحظة استشهاده كفيل بأن يتصف ذلك الفتى بالعظيم، 24 ربيعاً، أمضى خمساً منها في الثورة السورية، بدأها بالرجل البخاخ لكفرنبل، وأنهاها بطلاً على جبهات القتال في حلب، لتغتاله أيادي الغدر في مقر إقامته المؤقتة في مدينة حلب.

ينحدر خالد العيسى من عائلة صغيرة في كفرنبل، أم مثقفة، وإخوة صغار هجروا سوريا بعيداُ كما الكثير من أقرانهم إلى بلاد المهجر، ليبقى خالد ووالدته غالية في كفرنبل، يعملان معاُ، يكملان مسيرة بدأت بها كفرنبل منذ نعومة أظفار الثورة السورية، جسدتها لوحات المدينة ولافتاتها، لا تكاد لوحة رسمت، أو لافتة كتبت، إلا ولمستها أنامله، تارة يحملها في المظاهرات، وتارة يحفظها في مستودع المكتب الإعلامي للمدينة، وحيناً يساعد أحمد أو ياسر في خط أو تلوين اللوحة واللافتة.

يتحدث حمود جنيد عضو المكتب الإعلامي في كفرنبل وصديق خالد الدائم لصحيفة تمدن: “كنا نعتبر خالد طفلاُ بين أيدينا بداية الثورة، فعمره 18 عاماً، خرج معنا لأنه أحب أن يكون مختلفاً عن أقرانه، ثم ما لبث إلى أن تحول الرجل البخاخ في كفرنبل، متخفياً في ظلام الليل، يحمل بخاخه سائراً في شوارع مدينتنا، أيها الجندي لا تطلق النار علينا لأن هناك من يطلق النار على أهلك، دائما ما كان يكتب هذه العبارة، جميعنا كنا مطلوبون للخدمة العسكرية، أو مطلوبون أمنياً لجيش النظام الذي يحيط بكفرنبل ويعتقل ثوارها، خالد كان عيننا في المدينة، يوصل لنا أخبار القرية وتحركات الجيش، لا أحد يشك به، هو طفل صايع، لا يكترث إلا لتربية شعره الذي يستريح على كتفيه، يستمع إلى أغاني نعيم الشيخ وحاتم العراقي، هذا ما يعرفه أهالي القرية وعملاء النظام عنه، في الحقيقة كان مسمار الأمان لنا، بوجوده داخل المدينة نشعر بالأمان“.

يضيف حمود عن عمل خالد: “عندما تحررت كفرنبل عدنا إلى المدينة، وبدأنا التظاهر، خالد تولى مهمة المونتاج، كل مظاهرات كفرنبل التي خرجت إلى الإعلام كان وراء ظهورها، أنا أصور المظاهرات، ورائد وعبد الله يديرونها، وخالد يتولى تحرير المقاطع، هكذا كنا نتقاسم العمل، رغم كل ما يفعله من مهام، كان دائم الضحكة، حتى في أقسى الظروف التي نمر بها، دائما ما نلقي باللوم عليه، هو أصغر فرد في المجموعة، يتولى خدمتنا، معظم مظاهرات المدينة كان يعين أحمد جلل في رسم اللوحات، وياسر الموسى في كتابة اللافتات، يساعد التمساحفي الهتاف، وكذلك يحمل الكاميرا يعينني في التصوير، ذات ليلة ونحن نائمون في المكتب الإعلامي سمعت صوت بكاء في الغرفة المجاورة، كان خالد ما زال مستيقظاً، مستلقياً كعادته، يمسك سيكارته بيد، وأصابع يده الأخرى تتنقل بين صور شهداء المدينة، كانوا جميعاً من المقربين إلينا. “لماذا لم تنم إلى الآن، غدا لدينا مظاهرة، والقصف الجوي لا يغادر المدينة، علينا توثيق كل شيء، أدار وجهه جانباً، وقال، متى سينتهي حزننا ونعود للفرح، كانت دموعه تبلل لحيته الكثة التي بدأ بتربيتها حديثاُ.

هادي العبد الله حين نعى خالد لم يتذكر سوى طراد، صديقه في رحلة الثورة التي بدأت من حمص، استشهد طراد، وبقي هادي وحيداً حتى وجد خالد، في تلك الأثناء كانت المعارك على أشدها في ريف إدلب، اختار خالد أن يرافق هادي في رحلته الجديدة، حياة جديدة سيعيشها، يحاول الخروج من المدينة التي لم يغادرها، بعدما تعرض المكتب الإعلامي لمضايقات من سلطات الأمر الواقع، من جبال اللاذقية، إلى وادي الضيف، وتحرير إدلب وأريحا وجسر الشغور، ومنها إلى ريفي حلب الشمالي والجنوبي، وإلى مدينة حلب، كان خالد العين التي تنقل الأحداث، مترافقة بصوت هادي الذي ألفته مسامع السوريين.

كصديق للشهيد خالد، كنت احدثه دائماً عبر وسائل التواصل، حدثني عن دخوله إلى حلب، كانت الكلمات بيننا تحمل طابع المزاح، ادعوا له بالشهادة، ويعيرني بأنني هجرت سوريا، يعلم الظروف التي أجبرتني على الخروج، لكنه يحاول بصوته المبحوح أن يعيدني إلى سوريا، لم يكن كالناشطين يتغنى ببطولاته على صفحته الشخصية، بل يشارك لحظات المرح والقصف والخوف، كما شخصيته التي تحمل حس الطفولة في داخله، ورجولة الموقف لحظات الاقتحام والقصف، هكذا كان خالد، رجلاً أحب الظل، طفلاً بألف رجل، علم أن العظمة من تصنع الحدث وترسم معالمه خلف عدسة الكاميرا، أو برامج المونتاج، حتى حين أصيب بقصف الطيران المروحي قبل اغتياله بيومين، لم يرد أن تأخذ الكاميرا ملامحه وهو مصاب، رجولته التي اكتسبها خلال الثورة السورية علمته أن يكون قوياً دائماً، ويبدو قوياُ، كي لا تخور قوى والدته غالية التي تعمل لأجله ولأجل سوريا، كي لا يخيب ظن رائد به بعدما أصبح رجل كفرنبل، كي لا يضعف حمود الذي اعتاد الصراخ في وجهه، كي لا تتوقف حنجرة عبد الله تمساحعن أهازيج الثورة، ولا تتوقف أنامل أحمد جلل عن إبداع لوحات كفرنبل، يحمل تلك المسؤولية، ومعها مسؤولية نقل أحداث القصف على حلب وغيرها من المناطق السورية، الانتصارات والمجازر، كي لا يتوقف هادي عن كشف وسائل إعلامية عالمية شاركت النظام السوري في قتل شعبه.

رحل خالد، الطفل الذي غدا في ظل الثورة رجلاُ، رجل كسب محبة من لم يعرفه، وخلّد محبته في قلوبهم، حتى كتبت والدته غالية رحال، صرت أعزي أصدقاءك بك، محبتك في قلوبهم انستني حزن الأم“. هكذا يصنع العظماء ثوراتهم.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

الهيئة الشرعية في اعزاز

نازحوا ريف حلب الشمالي محرومون من دخول اعزاز بقرار شرعي أعلنت الهيئة الشرعية في مدينة …