الرئيسية / محليات / تحقيقات / رحلة النجاة من «وادي العذيب».. آلاف العائلات مازالت عالقة

رحلة النجاة من «وادي العذيب».. آلاف العائلات مازالت عالقة

تمدن| أيهم الحموي

تركنا خلفنا مئات العائلات، ما تزال تفترش الأرض وتتلحف السماء، «وادي العذيب» أصبح مثل المحشر، الناس تجتمع فيه من كل حدب وصوب من ناحية عقيربات، والظروف فيه أشبه بالجحيم، ولكنه الخيار الأخير للهروب من شبح الحرب الدائرة في المنطقة، يتحدث وعيناه ترنو إلى الطريق الذي قدم منه، أشار بيديه إلى الطريق وقال: »عندما عبرنا هذا الطريق ووصلنا إلى هنا كتبت لنا حياة جديدة ، كانت ليلة عبورنا ليلة لن ننساها، كنا نحمل أرواحنا على أكفنا ونمشي، نتوقع في أي لحظة أن تكون قوات النظام قد أعدت لنا كمين، هذا ما قاله لنا المهرب الذي برفقتنا، تتنقل نظراته بين أطفاله وهم يلعبون أمامه وخيمته التي نصبها حديثا لتصبح مأوى لعائلته، والطريق الذي يراقبه بشغف، ويتابع حديثه قطعنا أكثر من 10 كيلو مترات أنا وأولادي الثلاثة وزوجتي، كان الظلام يخيم على المكان، بدأنا المشي من وادي العذيب باتجاه مكاننا الحالي مع حلول الظلام، كنا ما يقارب 30 شخصاً، معظمنا نساء وأطفال، نمشي على مجموعات متجاورة، وطوال الطريق نتلفت يمنة ويسرة، اللحظة الأكثر خطورة كانت عند عبورنا لاستراد أثريا خناصر، هذه المنطقة من المتوقع أن يكون الجيش قد أعد كمينا لنا سمعنا أصوات إطلاق نار وقصف، ولكنه كان بعيداً عنا نسبياً، أمسك بيد طفلي الكبير وأحمل طفلي الصغير في حضني، وزوجتي تحمل طفلنا الأوسط، نمشي خلف بعضنا بسرعة، وعندما تجاوزنا الطريق السريع، علمنا أنه لم يعد هنالك مجال للعودة إلى الخلف، وبعد مسير ساعات تمكنا من عبور المناطق التي يسيطر عليها النظام والوصول إلى بر الأمان.

هنا يتنهد أبو محمد، وآثار الحزن بادية على وجهه، تركنا خلفنا أشخاصاً نحبهم، لا ندري ما مصيرهم، الكثير من الناس ما زالوا محاصرين في وادي العذيب بلا ماء ولا طعام ولا دواء، ينظر إلى السماء وينادي، «يا الله يا الله» كن عونا لنا، تركنا أمتعتنا وأرزاقنا وأرضنا خلفنا وجئنا إلى هذه الأرض، هذه مشيئة الله الحمد لله على كل حال، كلمات ختم بها حديثه خالد أبو محمد النازح من منطقة عقيربات إلى ريف حماة الشرقي.

ولم يكن هذا حال أبو محمد وعائلته فقط، هنالك مئات العائلات التي مازالت تعاني مما عاناه أبو محمد وعائلته، فالحرب الدائرة بين قوات النظام المدعومة بالقوات الإيرانية والروسية من طرف وتنظيم الدولة الإسلامية »داعش «من طرف آخر، أجبرت معظم سكان المنطقة إلى ترك منازلهم وأرزقهم خلفهم والهرب بأرواحهم بعيداً عن القصف الجنوني الذي لم يميز بين مناطق تواجد مدنيين أو مناطق تواجد داعش، فالطيران الروسي لم يكن يغادر الأجواء، أي تحرك على الأرض يقوم الطيران بقصفه وقد قتل العديد من المدنيين أثناء محاولتهم النزوح.

وعن حال الأهالي النازحين من دائرة الحرب في ناحية عقيربات أفاد الأستاذ أحمد الحموي رئيس المجلس المحلي لبلدة عقيربات لـ »تمدن»: »تستمر مأساة أهلنا المحاصرين مستكملةً شهرها الأول وسط ظروف إنسانية كارثية، تهدد حياة ما يزيد عن ثمانية آلاف نسمة في وادي العذيب، وستة آلاف نسمة في تجمع الجابرية في ريف حمص الشرقي«، فمع استمرار الحصار الجائر بحقهم وعدم اكتراث المنظمات الدولية والإنسانية لحالهم باتو مهددين بالموت.

وأضاف الحموي، أن المناطق التي يعيش فيها الأهالي المحاصرين هي مناطق صحراوية لا تمتلك مقومات الحياة، وهم لا يملكون ما يقيهم حر الشمس، فهم يفترشون الأرض ويلتحفون بالسماء، كما أن المواد الغذائية التي بحوزتهم قاربت على الانتهاء، وكذلك المياه لا تصلح للشرب، حيث ان مياه هذه المنطقة مياه كبريتية، ويعتمدون على بئر واحد لا يكفي للأعداد الكبيرة المتواجدة في وادي العذيب، مما أدى إلى انتشار الأمراض الكثيرة، وكذلك انعدام الخبز والطحين مما يهدد بوقوع مجاعة كبيرة، كما أن النقص الكبير في المواد الغذائية والمياه الغير الصالحة للشرب أدت إلى وقوع وفيات، حيث تم توثيق حالتي وفات بين الأطفال المحاصرين نتيجة سوء التغذية وتلوث المياه، كما انتشرت أمراض بين الأطفال المحاصرين ك اليرقان وسوء التغذية وحالات الجفاف والحمى.

وأما عن الواقع الصحي وطرق العلاج المتوفرة وأنواع الأدوية فيقول الأستاذ أحمد الحموي: «الوضع الصحي ليس أفضل حالا من الوضع الإنساني، لا يوجد أي نوع من أنواع الأدوية، ولا حتى أدوية الأمراض المزمنة كالقلب والسكري، حيث سجلنا حالة وفاة لرجل يعاني مرض القلب نتيجة انعدام الدواء، وكذلك المرضى إن حياتهم مهددة إذا لم يتلقوا العلاج، كما أن حليب الأطفال غير متوفر، مما سبب سوء تغذية للأطفال الرضع، وتسبب بحالات وفاة، تم توثيق أربعة منها، وأيضا المصابين والجرحى الذين أصيبوا أثناء جراء استهداف التجمع من قبل قوات النظام وطائراته لم يقدم لهم أي إسعافات، واعتمدوا في علاجهم على الطرق البدائية من الكي بالنار وغيرها».

وأما عن العائلات التي تمكنت من العبور إلى المناطق المحررة في ريف حماة الشرقي وفي إدلب بيّن الحموي: «استطاعت أعداد من العائلات الوصول إلى بر الأمان مخاطرين بحياتهم، في ظل استهداف حواجز النظام لقوافل عبورهم حيث وقع شهيدين في إحدى القوافل وعدد من الجرحى بعد استهداف قوات النظام لهم، وعدد العائلات التي تمكنت من العبور لا يتجاوز 300 عائلة وهو رقم لا يشكل 5% من عدد المحاصرين.

وفي ختام حديثه ناشد الحموي ضمير الإنسانية والمنظمات الدولة والإنسانية ومجلس الأمن لفك الحصار عن المدنيين المحاصرين، وتخليصهم من هذه الفاجعة، قبل يشهد العالم مجاعة وإبادة جماعية لآلاف المدنيين تندى لها جبين الإنسانية.

ومن جانبه أطلق مجلس محافظة حماة الحرة بالتعاون مع جمعية زيتونة وجمعية زمرة حملة أطلق عليها “حملة غوث أهلنا في عقيربات” كما فتح المجلس باب التبرعات لصالح مهجري قرى ناحية عقيربات الوافدين إلى ريفي حماة وإدلب، بهدف تأمين متطلبات النازحين الواصلين وتجهيز احتياجات المحاصرين في منطقة عقيربات، والذين يتوقع وصولهم.

 

 

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مخيم يأوي الأرامل والأيتام بريف إدلب

تمدن| سائر البكور مئات الأرامل وأطفالهن من مناطق سورية مختلفة، جمعهم مخيم واحد، بعدما تشاركوا …