الرئيسية / مجتمع / حوارات / سالم أبو النصر: “أنا سوري وعليّ أن أكون حيث يجب أن أكون”

سالم أبو النصر: “أنا سوري وعليّ أن أكون حيث يجب أن أكون”

حاورته نورا منصور| تمدن

سالم أبو النصر سوري من محافظة طرطوس، طبيب أسنان، وحيد، من مواليد العام ١٩٦٦م، يصف نفسه بأنه يحب الحياة ويحترم الجميع، يقول: “بدء وعي في العام ١٩٦٦ بقراءة كتب خارج الكتب الدراسية، في العام ٢٠٠١ ترددت على المنتديات التي كانت تدار في دمشق، وفي العام ٢٠١٠ بدأت بمتابعة الثورات العربية بشغف، كنت تواقا للحظة التي ستنتقل فيها عدوى الثورات في سوريا، كنت ممن خرجوا في طرطوس مع بداية الحراك”.

حلب الشرقية

حلب الشرقية مكان لا يشبهه أي مكان آخر في العالم، ربما يشبه غزة، عبارة عن أبنية عشوائية غير مرتفعة وفيها كثافة سكانية عالية جدا، كانت الحياة فيها جيدة قبل إطباق الحصار الثاني، فقد فقدت كل المواد المتجددة ولم يبقى لنا سوى المعلبات، لم يعد بالإمكان تأمين الدجا أو الخضار والفواكه وغيرها من السلع الكثير.

لمست خلال فترة إقامتي لامبالاة واستهتار بأرواح المدنيين، من كل الأطراف، لا أنكر، من الممكن أن يسقط العمل العسكري أنظمة دكتاتورية فاسدة، لكن العمل المسلح حسب مشاهداتي انحرف، وما يحدث اليوم على الأراضي السورية هو نزاع مسلح، وما أبقاني في سوريا هو واجبي الإنساني كطبيب.

لمست استخفاف بأرواح الناس وكراماتها وأعراضها، انتقاص من حقوق المرأة، الكثير من حالات تزويج القاصرات والتي قد لا تبلغ إحداهن سن العاشرة، بالإضافة لانتشار المؤسسات الدعوية والابتعاد عن العلم خاصة للفتيات الصغيرات، ولا تنتهي هذه الانتهاكات ربما بالطلاق التعسفي أو اختفاء الزوج، في معظم حالات الاختفاء يعتبر الزوج شهيد.

اعتقال ثوري

من خصوصيات حلب الشرقية أن معظم سكانها يمكن القول بأنهم قبليين، الانتماء للقبيلة أهم من الانتماءات الأخرى.

تعرضت هناك لبعض المضايقات بسبب كوني غريب، فقد تم اعتقالي من قبل جهة تطلق على نفسها شعبة المعلومات، وهي ليست الجهة الأمنية الوحيدة الموجودة، ويعتبر نفسه جهاز أمني ثوري للأسف، التهم الموجهة لي وصلت حد التعامل، فقد اتهموني بالتعامل مع حزب الله، وقد استندوا في هذا الاتهام لعدد كبير من التقارير المرفوعة من قبل عدة أجهزة أمنية، تذكر التقارير أني غريب اللهجة وأن خطابي غريب عن الخطاب السائد، ولم يقتنعوا بأن اختلاف اللهجة سببه أني فعلا لست ابن المنطقة والخطاب المختلف يعود للثقافة المختلفة، وجهوا لي النقد كوني خرجت لأطالب بالحرية والكرامة والعدالة ولم أخرج لله مثلهم.

خرجت من المعتقل بعد فترة قضيتها في زنزانة منفردة، بعد تدخل وجهاء، بالإضافة لتدخل الكوادر الطبية والإعلامية التي رافقتني لوقت طويل، حتى أن بعض مرضاي قد تدخل، قالوا لي بأنه سيتم إطلاق سراحي لعدم كفاية الأدلة.

بعد هذه الحادثة بفترة غادرت حلب وقمت بجولة في عدة مناطق محررة هي ريف ادلب وريف حماة وريف اللاذقية، ثم غادرت سوريا متجها إلى تركيا، لم تطل إقامتي خارج سوريا، عاد المركز الذي كنت أعل لديه للتواصل معي وطلبوا إليّ العودة للعمل واعتبروا فترة غيابي إجازة.

عدت للعمل في المركز لإيفاء الدين لهم ولكل من تدخل لإخراجي من المعتقل، عملت لمدة ثمانية أشهر غادرت بعدها للعلاج ثم عدت قبل الحصار…

مركز دارنا

مركز دارنا بالنسبة لي أكثر من مجرد مركز إيواء قضيت فيه الأيام الأخيرة بين النزوحين، نزحنا نحو حي المشهد على عجل، وهناك تم تجهيز مراكز إيواء في الطبقات السفلى من الأبنية، حيث كانت معظم الطوابق العليا مهدمة بسبب القصف من قبل طيران الاحتلال الروسي والأسدي، اتجهت نحو مركز دارنا لمعرفتي بالقائمين عليه ولكونه مركز إيواء للذكور، بقيت في المركز حتى النزوح الأخير، من خلال مشاهداتي لعمليات التعفيش والتخريب التي يقوم بها جيش النظام وقوى الاحتلال الرديفة له، قمت بكتابة تلك اللافتة الشهيرة التي تدعوا للاعتناء بمحتويات المركز لتستفيد منها الأجيال القادمة، رسالتي كانت موجهة للجميع، محتويات المركز قيمة، فهو مركز تعليمي مهم في تلك المنطقة.

ثقافة النقد

في العام ٢٠٠١ في دمشق تحديدا منتدى جمال الأتاسي الذي كانت تديره ابنته سهير الأتاسي وقف رجل يحمل شهادة دكتوراه في الهندسة وقال: “اعذروا تعثري بالكلام، لأن عضلات الكلام عندنا ضامرة”.

مع انطلاق الثورة تعلمنا الصراخ لكن لم نتعلم بعد كيفية التعبير عن ألمنا لأن عضلات الكلام لدينا لازالت ضامرة، وما زاد الطين بلة دخول السلاح، فوضى السلاح أدت لهدر طاقات هائلة من الطرفين، كان من الممكن لو تم استثمار هذه الطاقات في بناء الدولة عوضا عن قتلهم لكانت اليوم سوريا في حال آخر.

أكثر ما حدث اليوم هو أننا تعلمنا الصراخ، كمريض تؤلمه أسنانه لكنه غير قادر على الصراخ لأن أحدهم قد كم فمه، وعندما حرروه بدأ يصرخ من الألم لكنه لم يقم بزيارة طبيب الأسنان بعد، وبالتالي لم يقم أحد بتشخيص حالته أو علاجها، نحن اليوم نصرخ لكن دون هداية، لا نعرف ما هو مرضنا ولا نعرف كيف لنا أن نعالجه.

قبل الحديث عن علاقات رأس النظام السوري العاطفية ونعته بأسماء الحيوانات علينا محاسبته كمجرم حرب قتل وشرد نصف الشعب وسرق خيرات البلد هو وعائلته على مر السنين التي حكموا فيها، رأس النظام سوري وكذلك والده وعمه، علي مملوك وجميل حسن، الجولاني وغيرهم، كلهم سوريين وكلهم مجرمي حرب ولابد أن تتم محاسبتهم في يوم من الأيام.
أندم أحيانا لسكوتي عن بعض الانتهاكات التي تمت ممارستها من قبل جهات محسوبة على الثورة، ربما لم يكن من المناسب المواجهة في هذه الظروف، حيث كان من المهم لدي الحفاظ على حياتي لتقديم كل مساعدة ممكنة.

طبيب الأسنان

كطبيب أسنان أرى ما يحدث في سوريا اليوم من نزيف للدم والطاقات، بقلع ضرس العقل، إذا جائني مريض يتألم من ضرس العقل، وبعد الفحص وجدت بأنه لا يمكن إصلاحه وعلينا قلعه، وبدأت بعملية القلع، بعد تخدير المريض، بعد عدة ساعات ذهب مفعول البنج واشتد النزيف دون أن أتمكن من قلع الضرس، كطبيب يتوجب علي التوقف عن المحاولة ونقل المريض فورا لمركز جراحة فكية لوقف النزيف، أما لو استمريت بهذا العمل غير المجدي فسيموت المريض ولن أتمكن من السيطرة على النزيف ولن أتمكن حتى من قلع الضرس وتحقيق غايتي.

كان علينا بناء نقاشات على خلفية الثورة، لكن ما حدث كان مختلف، مع دخول السلاح زاد النزيف، اليوم قرابة النصف مليون سوري قتلوا في الحرب وترك قرابة نصف الشعب منازلهم، يجب الآن وقف نزيف الطاقات الحاصل بعدها علينا متابعة طريقنا لتحقيق ما خرجنا لأجله.

الجيد فيما حدث أن الثورة السورية حطمت حاجز الخوف وكشفت كل العيوب والمشاكل، وأتمنى أن يون ما حدث مقدمة للوصول يوما ما للحوار والذي بات مطروحا ومتاحا، حوار فيه احترام للأطراف المتحاورة، الحب والحرية والحوار أفعال سامية تم ابتذالها وتشويهها.

من نزوح إلى نزوح

بعد انطلاق الثورة تعرضت للاعتقال لثلاث مرات لدى النظام، أولها كانت في الأمن العسكري والثانية أمن الدولة والأخيرة كانت في الجوية بطرطوس ثم تم نقلي إلى دمشق، خرجت بعد خمسة أشهر غادرت بعدها طرطوس إلى غير عودة، أتمنى العودة طبعا لكنها في المدى المنظور مستحيلة، غادرت سوريا متجها إلى لبنان ثم مصر، عدت إلى لبنان لأغادرها عن طريق ميناء طرابلس نحو مرسين التركية، ثم انطاكيا لاتجه بعدها إلى سوريا من جديد، لكن هذه المرة للمناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام “المحررة” دخلت ريف ادلب وبقيت فترة قصيرة طلبني بعدها تنظيم الدولة، فغادرت نحو تركيا مجددا، مكثت فترة بسيطة في تركيا لأعود نحو سوريا، بقيت السنوات الثلاث الأخيرة في سوريا ولم أغادرها حتى بعد اعتقالي من قبل شعبة المعلومات في حلب.

عدت في النهاية بالرغم من كل شيء للقيام بواجبي الإنساني، كنت أعالج الجميع دون استثناء مهما كانت خلفياتهم، وكنت أسعى من خلال عملي، لنشر ثقافة الحوار وتخفيف حدة الصراع قدر الإمكان وللدعوة للاعتراف بالآخر، كما أنني شاركت في عروض مسرحية، مسرحية دكاكين مع فريق طريق الخبز ومسرحية حفلة سمر لأجل الحرية، وقد تم نقل المسرحيتين بشكل واسع عبر وسائل الإعلام المحلية، وقد كانت فرصة جيدة للتعرف إلى عدد من الإعلاميين.

عند فك الحصار الأول فضلت البقاء لأن العمل في المركز كان جيدا ولدينا عدد كبير من المرضى يجب الاعتناء بهم، كنت أعمل لدى مركز بستان القصر الصحي والذي يعتبر الأكبر على مستوى حلب الشرقية، مركز مجهز بأفضل التجهيزات وفيه تقريبا مختلف الاختصاصات من أسنان وأطفال وولادة وحتى قسم إسعاف، في الفترة الأخيرة تم تسكير كافة الأقسام واقتصر العمل على الإسعاف، في الخامسة صباحا أتى من أعطانا الأمر بالنزوح الأول باتجاه حي المشهد، ثم غادرنا حي المشهد باتجاه ريف حلب، كنت من آخر الأطباء الذين غادروا حلب.

ختام

الحفاظ على الهوية يساعد في بناء المجتمعات، على أن تكون الهوية غير قاتلة أو مصدر للمواجهة، يجب أنلا نبادر بالعنف، لا أنكر لكل منا ردّات فعل عنفية، حمل السلاح في اللحظات الأخيرة كان دفاع عن النفس بالنسبة لي، التجمعات البشرية في سوريا غير كارهة، تحب الحياة لكن كل تجمع يحب الحياة على طريقته، لكنه لا يملك وعي الحريات.

علينا الاستفادة من تجارب الغير ومن تقاليد المجتمعات وعاداتها، وأن ننفتح على الآخر وننبذ العنف، وقد حاولت نقل ثقافة الاحترام من خلال تعاملي مع مرضاي خاصة الأطفال، فكنت أشكرهم وأربت على كتفهم واتعامل معهم بمنتهى اللطف، حاولت أن أوصل رسالة لمن حولي بأني جئت لأقاسمهم همومهم ولنتشارك التعب والإرهاق.

سأعود إلى سوريا وأنا الآن أدرس إمكانية الانتقال إلى مناطق سيطرة درع الفرات أو قوات سوريا الديموقراطية أو جيش الفتح، لا يمكنني العودة إلى مناطق سيطرة النظام أو تنظيم الدولة، لا أخشى الخطر القادم من الجو بقدر خشيتي للخطر على الأرض.

أتمنى من السوريين التمعن في كلمات أغنية زياد سحاب وياسمينا الفايد بعنوان شو كانت حلوة بلادي، وتقول كلماتها لو كل الشهداء اللي بعتوهن ليموتوا بقيوا وزرعوا الأرض….

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

القاضي الأول في الغوطة الشرقية لـ “تمدن” مظاهرات الغوطة سببها الاعتقالات خارج القضاء

احمد زكريا عمل عدد من القضاة بالاشتراك مع الفصائل العسكرية على تأسيس المجلس القضائي الموحد …