الرئيسية / محليات / تحقيقات / شركاء النظام يدمرون ثلث آثار سوريا

شركاء النظام يدمرون ثلث آثار سوريا

تمدن| سائر البكور

تعتبر إدلب أغنى مناطق سوريا بالمناطق الأثرية المنشرة بدءاً نمن الحدود السورية التركية قرب باب الهوى، إذ تضم لوحدها قرابة ثلث آثار البلاد، فيها مئات المواقع الأثرية والتي يعود معظمها إلى العهدين الروماني والبيزنطي، ومنها ما يعود إلى آلاف السنين، ولعل أبرزها مملكة إيبلا والتي تقع في تل مرديخ إلى الجنوب من مدينة سراقب، إضافة لعدد من المواقع كسرجيلا وشنشراح، ومعالم أثرية في مدن وبلدات، البارة، وآفس، ودير شرقي، ودركوش، وحارم، وقلب لوزة.

ومع التطورات والأحداث التي شهدتها سورية منذ أكثر من خمس سنوات، ما هو مصير آثار إدلب في ظل الظروف الراهنة؟

القصف دمر جزءاً من الآثار

لا يخفى على أحد أن تبعات الحرب وحالة الفوضى والقصف التي تعيشها إدلب، انعكست سلباً على كل مرافق الحياة، ولم يسلم منها لا بشر ولا حجر، فالقصف المتعمّد من آلة حرب النظام وروسيا، والتي كان لكثير من المدن والبلدات والمواقع الأثرية نصيب منها، أسفر عن تدمير أجزاء واسعة من تلك المواقع.

يقول “أبو بسام” أحد سكان ريف إدلب في حديثه لـ”تمدن”: “تعرضت معظم البلدات والمواقع الأثرية في إدلب للقصف عشرات المرات من طيران نظام الأسد وروسيا، مما تسبب بأضرار جسيمة في تلك المواقع، والتي يعود تاريخها لآلاف السنين، ومنها متحف معرة النعمان حيث أدت الغارات إلى تدمير أجزاء منه، سرعان ما عادت منظمات تهتم بالشأن الأثري لمحاولة حمايته.

وأضاف أبو بسام: “مملكة إيبلا؛ تقع في قرية تل مرديخ جنوب مدينة سراقب، تعد أبرز المعالم الأثرية في إدلب، ويعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، تعرضت لعشرات الغارات الجوية من طيران النظام الحربي والمروحي والطيران الروسي، مما تسبب بأضرار كبيرة في المباني الأثرية، ويعتبر الدمار الذي لحق بها خسارة لأبرز معلم أثري في إدلب”.

“ورغم النداءات التي أطلقتها عدة منظمات دولية معنية بالتراث الثقافي”، بحسب أبو عبد الله”، بضرورة تحييد المواقع الأثرية وتجنيبها القصف والعمليات العسكرية، إلا أن نظام الأسد لم يصغي لها، وأعتبر كل شيء يخرج عن سيطرته هدفاً لآلة القتل والدمار التي مازالت تفتك بالبشر والحجر إلى الآن.

الناشط الميداني أبو البراء يرى أن النظام يحاول تدمير الحضارة السورية عبر قصف المناطق الأثرية: “تتعمد طائرات النظام الحربية والمروحية استهداف المواقع الأثرية في إدلب، حيث تعرضت المباني الأثرية في قرية سرجيلا بجبل الزاوية لعدة غارات جوية من الطيران الروسي، ما ألحق أضرار كبيرة في بنية الموقع، كما أدى القصف إلى تدمير أبنية أثرية في شنشراح ومملكة إيبلا بريف إدلب”.

آلاف الرقم الأثرية من مدينة إيبلا التاريخية، كان من المفترض أن تترجم في مستودع متحف مدينة إدلب، عملية تحرير إدلب جعلت مصير هذه الرقم الفخارية مجهولاً، لحين العمليات العسكرية ضد تنظيم جند الأقصى، حيث كشفت تسجيلات مصورة، عشرات الرقم الفخارية من المملكة الأثرية تم السطو عليها وسرقتها من المتحف.
التنقيب والحفر العشوائي

ولم يكفي ما فعلته آلة الدمار لنظام الأسد من تخريب التراث الثقافي في إدلب، لتبرز مع حالة الفوضى وعدم وجود رقيب فعلي في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ظاهرة التنقيب العشوائي عن الأثار بشكل واسع، وأصبحت عملاً دائماً لدى البعض، نظراً للمردود المادي الكبير الذي يعود على أصحاب هذا العمل.

وقال أبو ناصر أحد المنقبين عن القطع الأثرية لـ”تمدن”: “ثلاث سنوات وأنا أعمل في البحث عن القطع الأثرية، استطعت الحصول على جهاز لكشف المعادن على مسافة لا تتجاوز المتر، أذهب في صباح كل يوم وأبدأ البحث في الأراضي الزراعية، أما المواقع الأثرية المعروفة فلا أقترب منها أبداً، عملي يقتصر فقط على البحث عن القطع النقدية “الفلوس” في الأراضي، أما المواقع الأثرية المعروفة فهناك شبكات منظمة وتجار يعيثون فيها نهباً وتخريباً، حيث امتهنت بعض الفصائل العسكرية عمليات التنقيب بواسطة المعدات الثقيلة والجرافات، والخبراء الأثريين.

وتابع أبو ناصر قائلاً: “عملي فقط لتأمين لقمة عيش لأسرتي، وأغلب ما أجده قطع نقدية “فلوس” يتراوح ثمنها ما بين 1000- 5000 ليرة سورية، بما لا يتجاوز 10 دولارات أمريكية، وهي موجودة بكثرة في الأراضي وعلى مسافات قريبة من سطح الأرض، عكس بعض الأشخاص الذين يعمدون إلى سرقة مواقع أثرية ذات قيمة تاريخية وحضارية كبيرة، وبيعها بمبالغ مرتفعة، دون مراعاة الإرث الحضاري والتاريخي الهام لهذه القطع، غايتهم الوحيدة الحصول على المال بأي ثمن”.

وختم أبو ناصر قائلاً: “أصبح التنقيب عن الأثار منتشراً بكثافة بين الناس، وهناك مواقع أثرية نهبت وتم تهريبها عن طريق وسطاء وتجار آثار، إما إلى مناطق النظام ومنها إلى لبنان، أو إلى تركيا وهي الوجهة المفضلة للمهربين، ليجنوا من عملهم هذا مبالغ طائلة تصل إلى ملايين الدولارات، نظراً للقيمة التاريخية التي تتمتع بها آثار إدلب”.
النظام والمنقبين شركاء في طمس المعالم الأثرية

صحيح أن نظام الأسد ساهم بتدمير وخسارة مواقع أثرية كثيرة في إدلب، إلا أن شبكات الإتجار بالآثار كان لها دور أيضاً في فقدان عدد لا يستهان به من القطع الأثرية والتي لا تقدر بثمن، وتهريبها خارج سورية خاصة إلى تركيا، نظراً لقربها وسهولة نقلها بالاتفاق مع وسطاء داخل تركيا.

وقال الناشط الإعلامي أبو جواد لـ”تمدن”: “يوجد في إدلب قرابة 800 موقع أثري، تسبب قصف النظام وروسيا بإلحاق أضرار كبيرة في بعضها، والبعض الآخر تعرض لعمليات الحفر والتنقيب العشوائي من قبل أشخاص أصبحوا ينقبون ويعيثون فساداً وخراباً في كثير من المواقع الأثرية، والتي لم تلقى حماية كافية تقضي على هذه الظاهرة المنتشرة بشكل واسع”.
وأضاف: “نظام الأسد والمنقبين شركاء نهب عشرات المواقع الأثرية، سواء عن طريق عمليات الحفر والتنقيب التي يقوم بها أبناء المدن والبلدات الأثرية، بدل حمايتها من النهب والسرقات، أو عن طريق قيام قوات الأسد بسرقة كثير من القطع الأثرية قبل انسحابها من إدلب”.

آثار يعود تاريخها لآلاف السنين أصبحت أثراً بعد عين، ساهم كل من النظام وروسيا في تدميرها، وليزداد الوضع سوءاً ظهر التنقيب والحفر العشوائي، ليكمل على ما تبقى من الإرث الثقافي لإدلب، في ظل غياب رقابة حقيقية وملاحقة للمنقبين والتجار والمهربين الذين لا يقل عملهم خطورة عن التدمير الذي تسبب به قصف النظام وروسيا لتلك المواقع الأثرية.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

القوميات في ريف حمص

عدة قوميات تنتشر في قرى ريف حمص الشمالي، جمعتهم المنطقة والإجراءات التعسفية التي مارسها النظام …