الرئيسية / محليات / تحقيقات / كيف تحصل على وثيقة «امتصاص الدم»؟

كيف تحصل على وثيقة «امتصاص الدم»؟

يحلم الشباب السوري بدخول الجامعة، خاصة بعد دخول التعليم الخاص في السلك التربوي، ما أدى لرفع معدلات التعليم الحكومي، من يدخل الجامعة يعتقد بأنه سيحصل على عمل جيد بعد التخرج، لكن ما إن ينهي دراسته حتى يصطدم بالواقع، ففي الوقت الحالي الدراسة هي الوسيلة الوحيدة للحصول على ورقة تأجيل خدمة العلم، فما إن ينهي الشاب دراسته حتى يبدأ رحلة الهروب من الحواجز أو ربما من البلد، كما أن الوظائف الحكومية نادرة والرواتب غير كافية، أما بالنسبة للقطاع الخاص فهو في تأخر حيث تم تدمير جزء كبير من البنى التحتية.

الدراسة الجامعية في سوريا لا تغني فكر الطالب، كل ما عليه هو حفظ ما يقوله المدرسون، عدا عن الفساد وتمكن الطلاب من شراء الأسئلة أو حتى من يقوم بتدريس المادة، ولضمان التخرج من دون وساطة أو رشوة، عليك أن تبقى في طوال فترة دراستك في غرفتك، كما لو أنك معتقل في منفردة، كما أن المناهج خيالية لا تحاكي الواقع ولا تساعد في تقديم أية خبرة إضافية تفيد في الحياة العملية بعد التخرج، وبعد الانتهاء من كابوس الدراسة تدخل في دوامة الحصول على مصدقة التخرج.

بنك الدم

من الوثائق المطلوبة للحصول على مصدقة التخرج، ورقة لتبرع بالدم، فكيف يكون تبرع بالإكراه، لم يكتفي النظام بإفناء أعمار الشباب بالدراسة، وإنما تعداها لسحب دمائهم، عليك التبرع بدمك لصالح شبيحة النظام، فإذا ما احتاج المواطن المدني دم لن يجد بحجة أن الدم للجيش والشبيحة فقط، لماذا على الشاب أو الفتاة التبرع بدمائهم لجيش التعفيش؟ كي يستمر بالقتل والسرقة!

يقع بنك الدم في مدينة طرطوس على الطريق العام جانب المشفى العسكري، وهو عبارة عن ثكنه عسكريه تابعه مباشرة لوزارة الدفاع، عند الدخول يقوم الجنود بتفتيش المواطنين وأخذ بطاقاتهم الشخصية، وسؤالهم عن سبب الزيارة، وعند الدخول يقوم المراجع بتسجيل طلب لدى مجموعه من المجندين، وعليه التصريح بسبب تبرعه بالدم، ويقومون بكتابة السبب على ورقة التصريح بالتبرع بالدم، هكذا بدأ «أ.ن» شاب جامعي من طرطوس حديثه لـ «تمدن».

ويكمل: «عادة ما يتم التبرع بالدم لسببين، إما الحصول على الشهادة الجامعية، أو شهادة قيادة المركبات، ولكن حالياً ومنذ عام 2012، أصبح التبرع بالدم شرطاً للحصول على كشف علامات في الكلية، وعند القيام بفحص الزمرة للمباشرة بإجراءات الحصول على دفتر خدمة العلم، وقريباً قد يبدأ النظام بفرض التبرع بالدم عند التوظيف بالقطاع الخاص وعند الحصول على شهادة التعليم الثانوي».

عند تقديم الطلب على المتبرع الذهاب إلى الطبيب للفحص، غرفة الأطباء تشبه إلى حد كبير غرف شعبة لتجنيد، يوحي منظر الطبيب الملتحي بأن علاقته بالطب كعلاقة رئيسه بشار بها.

يشرح «أ.ن» لـ «تمدن» آلية العمل في بنك الدم: «يقوم الطبيب بالتوقيع على طلب التبرع بعد تأكده من أن المتبرع قادر ولا يوجد موانع صحية، ويتم تمرير الطلب إلى غرفة التبرع، يشرف على استلام الطلبات عسكريون، يتعاملون مع المتبرعين وكأنهم في ثكنة عسكرية».

في السابق كان يتم إعطاء المتبرع علبة بسكويت وزبدة الفول السوداني، لكن اليوم يحصل على وثيقة التبرع بـ «منيّة»، حيث يقوم الكادر الطبي بتذكيره بأنهم يقومون بإجراء فحوص مكلفة جداً على دمائه للتأكد من خلوها من الأمراض الخطيرة كالإيدز والتهاب الكبد.

أثناء التبرع وما بعده

يحدث في بعض الأحيان إغماء بعد التبرع بسبب عدم اكتراث الكادر الطبي، وتقديم التعليمات الواجب مراعاتها بعد التبرع، بالإضافة لتعرض البعض لحالات تشنج، ناجمة عن سحب الدم. «أثناء انتظاري لوصول دوري، سمعت أحد المرضى يصرخ، أرجوكم يدي تؤلمني كثيراً، لم أعد قادراً على التبرع أكثر، توقفوا بسرعة، لكن دون جدوى فمن يسمون ملائكة الرحمة لا وقت لديهم للالتفات للمرضى، كأنها تصرفات ممنهجة تهدف لتذكير الشعب بشكل دائم بأقبية المعتقلات».

بعد الانتهاء من عمليه التبرع على المتبرع العودة إلى الطبيب البلطجي مرة اخرى للحصول على توقيعه، ومن ثم عليه الذهاب إلى رئيسة المركز العقيد نوال حسن إبراهيم، وهي وجه آخر من وجوه الرعب في هذا المركز المشؤوم، نوال ضابط امرأة طويلة القامة ضخمة الجثة عريضة المنكبين، كأنها فارس مغوار، تشعر بالفخر بامتصاص دماء المواطنين والتجبر عليهم وبيع الوطنيات، تستقبل المتبرعين بابتسامة خبيثة تنم عن المكر والغدر والخداع، تقول للمتبرعين، أحسنتم أيها الرجال ودمتم ذخرا لهذا الوطن، سوريا تنتصر بكم عليكم أن تاتو كل 6 أشهر لتلبوا نداء الوطن بالتبرع بالدم، فهو فخر لكم بالإضافة للفوائد التي ستحصلون عليها، أنتم تقومون بمساعدة العديد من المحتاجين اللذين تقف حياتهم على المحك.

بعد التوقيع يذهب المتبرع إلى المحاسب، حيث يقوم بدفع مبلغ ٥٠٠ ليرة سورية أي ما يعدل دولاراً واحداً تقريباً، وبالتالي أنت تدفع من دمك ومالك مكرهاً دون وجه حق، بعد المحاسب يتجه المتبرع إلى الديوان لختم الوثيقة وتسجيلها، روتين وبيروقراطية تزيد من معاناة المتبرع وشعوره بالغثيان.

يروي «ق.ع»، وهو شاب يريد الحصول على شهادة قيادة السيارة: «بعد حدوث حالة إغماء، وقع هرج ومرج، بدأ مجموعة من الشباب بالصراخ بعد سقوط أحدهم بعد انتهائه من التبرع مغشياً عليه، وأخبروا العسكري بأنهم لن يقوموا بالتبرع بالدم، ولن يواجهوا المعاناة التي واجهها رفيقهم، لكن العسكري صاح بهم أن يخرسوا، وأنه عليهم الذهاب لمديرة المركز للحصول على الإعفاء، وبعد ملاسنة أجابهم مهددا «اخرسوا وإلا»، عندها رضخوا وذهبوا للمديرة.

يضيف: «قامت المديرة بإعطائهم درس في الوطنية حسب أحد الشباب، فهنالك جرحى بالمشافي وهنالك جنود جرحى من الجبهات بحاجة إلى دمائكم، تبرعوا أو اخرجوا من هنا، وعندما زاد تعنت المواطنين نادت الحارس الذي جاء بدوره لإخراجهم بطريقه مرعبة».

يتابع «ق.ع»: «لا مانع لدي من التبرع بالدم بل على العكس من ذلك، التبرع مفيد لنا نحن الشباب صحياً بالإضافة الى أنه هنالك الكثير من المرضي في غرف العمليات بحاجة إلى نقل الدم، فهو واجب إنساني علينا نحن الأصحاء، ولكن مركز نقل دم طرطوس أشبه بثكنة عسكرية، وتبعيته لوزارة الدفاع موضع شك، لذلك أدعوا الشباب للذهاب الى المشافي والتبرع مباشرة للمحتاجين عوضاً عن الذهاب لمركز نقل الدم لو كان هذا متاحا».

فقط في سوريا الأسد يتحول الواجب الإنساني لمهمة قتالية، وحول النظام كل مؤسساته لثكنات عسكرية ونقاط تفتيش ومراكز اعتقال بشكل أو بآخر.

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

مخيم يأوي الأرامل والأيتام بريف إدلب

تمدن| سائر البكور مئات الأرامل وأطفالهن من مناطق سورية مختلفة، جمعهم مخيم واحد، بعدما تشاركوا …