ليتها لم تكن

لعل أهم عناوين الثورة السورية وشعاراتها خرجت في مظاهرات الكرامة والحرية، وامتدت لتشمل الجغرافيا السورية، حتى عام 2015 بعد تحرير مدينة إدلب، ومنذ ذلك الوقت انقلبت الآية، لتطال القوة العسكرية المظاهرات المطالبة بشعارات الثورة الأولى.

ولم يكن وقتها الأمر بتلك الأهمية رغم سياسة كم الأفواه، مع الفرحة بتحرير المدينة من إرهاب الأسد وعصبته، لكن من صدحت حناجرهم ضد الرصاص تجاوزوا حاجز الخوف، وأكملوا مسيرتهم للوقوف في وجه الظلم الذي تنتهجه بعض الفصائل العسكرية، تارةً بتدخلها في الشؤون المدنية، وتارة في تخاذلها عن نصرة مدن أخرى، وفي كثير من الأحيان ضد قتال الأخوة.

أفرغت المظاهرات من مضمونها الثوري، واندس الأمنيون داخلها كما أيام النظام، كما في مظاهرة إدلب الأخيرة، الداعية لوقف اتفاقية الذل والعار بحق أهالي الزبداني ومضايا وكفريا والفوعة، لترتفع أصوات داخل المظاهرة تطالب بإقالة مدير الصحة، وتدعو إلى محاسبته وكشف الفساد.

وبعيداً عن المهاترات والنعرات المناطقية التي تسود محافظة إدلب بين ريف مدينة، فمديرية الصحة في إدلب تعتبر أنجح المؤسسات الثورية في المناطق المحررة، ويشهد لمديرها وكادرها المتميز وقوفهم في وجه الفساد، ومواجهتهم لتجار دماء البشر، بدءاً بثوريتهم منذ عام 2011، مروراً بشحنات الأدوية غير الصالحة التي رميت وأحرقت، والشهداء الذين قضوا في المراكز الصحية أثناء علاجهم ضحايا القصف.

التشبيح ذاته، تقوده بعض الفصائل العسكرية، كما يجري اليوم في الغوطة الشرقية، جميع أهالي الغوطة بمدنها وقفوا موقفاً مشرفاً، منعاً لسفك المزيد من الدم، وخرجوا بمظاهرات تعدت الآلاف، جابت شوارع الغوطة الشرقية، وقوبلت بالرصاص، في حين تخرج فئات داخل الغوطة تخرج بمظاهرات لصب الزيت على النار، وإشعال فتيل القتال، بعد عام من خسارة 400 مقاتل، كانوا يستطيعون القيام بمعركة بمفردهم، وقتلوا في سبيل فصيلهم.

تعيش اليوم الغوطة الشرقية سيناريو حلب قبل التهجير، حين بغت الفصائل على بعضها، وبدل أن تكون أوقات الشدائد فرصة للصفح والعفو بين الإخوة، تحولت إلى رصاصة انتحار، ستطال المنطقة برمتها.

الغوطة اليوم محاصرة من الداخل قبل الخارج، النظام قاب قوسين أو أدنى من احتلال القابون، وإحكام قبضته على رقاب الثائرين الصابرين المكابرين على جراحهم منذ بداية الثورة، لكن حصار العقول داخل الغوطة وتقوقعها هو سبب بكاء رجل مسن غوطاني وهو يقول: “ليتها لم تكن”.

 

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

ماذا يريد بوتين من سورية ومن السوريين؟

محمد فاروق الإمام بعد كل الجرائم التي ارتكبها والوحشية التي نفذها بحق الشعب السوري والمدن …