الرئيسية / منوعة / ترجمات / نظرة إلى الضباب الدبلوماسي في سوريا

نظرة إلى الضباب الدبلوماسي في سوريا

أرون لند – موقع ذا سينشري فاوندايشن

تدخل سوريا عام الـ ٢٠١٧ في حالة من الارتباك الدبلوماسي، ففي الثلاثين من شهر كانون الأول المنصرم، تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة روسية، تركية وإيرانية. هذا الاتفاق تم دعمه بقرار من مجلس الأمن في اليوم التالي لتوقيعه، كما تمت مباركته من قبل الولايات المتحدة، لكن الحرب ما زالت مستمرة في العديد من المناطق.

في هذه الأثناء، تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى مكان آخر، الأستانة عاصمة كازخستان، حيث تحاول روسيا تنظيم مفاوضات سياسية للأزمة السورية برعاية تركية وإيرانية، لقاء الأستانة تم تحديده ليعقد في ٢٣ من الشهر الجاري، قبل انطلاق مؤتمر جنيف ٣ في الثامن من الشهر القادم، ولكن بالرغم من الحركة الدبلوماسية الكثيفة بين موسكو، أنقرة وطهران فما يزال حتى الآن القليل من الوضوح عن المواضيع التي ستطرح في اللقاء. لا أحد يتوقع حل للأزمة لكن بنفس الوقت بالتأكيد هناك خطة ما خلف الكواليس.

في الواقع، يبدو أن كلاً من الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان يرتجلان، ويتبادلان التنازلات ويسعيان للوصول إلى أرضية مشتركة ولو محدودة قبل وصول الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى سدة الحكم في العشرين من الشهر الجاري.

ماذا تريد تركيا؟

على الرغم من ان تركيا ما تزال تصر على إزاحة بشار الأسد، فإن أردوغان غير من سلم الأولويات التركية منذ الصيف الماضي، حيث انتقد بشدة رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما مشاركة القوى الجوية الأميركية في الحرب، والآن يقوم أردوغان بالتقليل من أهمية الأسئلة المتعلقة بمصير الأسد لتحسين العلاقة مع روسيا والحفاظ على مصالح أنقرة في المنطقة.

على وجه التحديد، سعى أردوغان لكسب الدعم الروسي لصالح الجيش التركي في عملية درع الفرات التي بدأت شهر آب العام الماضي، والتي تحاول الآن السيطرة على مدينة باب الاستراتيجية وطرد تنظيم “داعش” منها. وكجزء من الاتفاق الجديد فإن روسيا بدأت بالدعم الجوي للقوات التركية وحلفائها على الأرض، وبالرغم من ان العملية هي موجهة ضد تنظيم “داعش” بالدرجة الأولى، فإن الهدف الرئيسي وراء عملية درع الفرات هو منع تقدم الميليشيات الكردية الصديقة لحزب العمال الكردستاني ولمنح أنقرة حصة دائمة في الشأن السوري.

وللدرجة التي تستطيع فيها روسيا تقديم المساعدة، فإن أردوغان مستعد للقبول بالسيطرة الروسية على سوريا، حيث يرى أن لا خيارات واقعية أخرى موجودة على الساحة، وهو الآن يقوم باختبار ما يمكن لعملية يقودها بوتين أن تنتجه، مع معرفته المسبقة أن مثل هذه العملية قد تفضي إلى نتائج محبطة، لكن لا يوجد أمل كبير في المسارات الأخرى للحل.

ماذا تريد روسيا؟

هدف بوتين في هذه اللحظة بسيط جدا، هو يحاول مع إيران أن يدعم بشار الأسد عسكريا في الوقت نفسه إرهاق وتفريق الدول الداعمة للمعارضة، ومع المتغيرات الجديدة على الساحة، عودة حلب إلى سيطرة الأسد، التغير في الموقف التركي، تحضيرات ترامب لتوليه الحكم، ووجود فرانسوا فيلون الصديق لموسكو كمرشح رئاسي الأوفر حظاً في الانتخابات الفرنسية، تبدو الفرصة سانحة لمحاولة روسية قوية لفرض حل في سوريا.

وسيحاول بوتين بزيادة الدور والانخراط الوسي في العملية الدبلوماسية لتغيير المرتكزات الأساسية لهذه العملية وجرها لمصلحة الأسد، للوصول إلى حالة يتم فيها التنازل عن مفهوم المرحلة الانتقالية في سوريا. ولكن حتى إذا نجح بوتين فقط في تغيير بعض الأمور إلى حين وصول ترامب إلى سدة الحكم فإن ذلك يعتبر جيدا بالنسبة له، فالرئيس الروسي لا يمتلك تصورا نهائيا للحل في المستقبل، لكن على الأقل خصومه لا يمتلكون خطة للعمل في الوقت الراهن، وهو يسعى لنبقى الحالة كما هي.

كما تهدف موسكو إلى جر تركيا لمزيد من التنازلات المتبادلة التي بدأت الصيف الماضي، فمن وجهة النظر الروسية فإن ذلك يساعد ليس فقط على إبعاد أنقرة من الصراع ضد الأسد، وإنما يزرع حالة من عدم الثقة بين فصائل المعارضة، ولا يجب علينا أن ننسى أن إبعاد تركيا أكثر عن الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي والناتو يصب في مصلحة روسيا لأسباب لا تتعلق بالشأن السوري.

من سيذهب إلى الأستانة؟

بينما يعاني إنفاق وقف إطلاق النار من مشاكل كبيرة في تطبيقه، فإن محادثات الأستانة مهددة بحقيقة أن لا اتفاق حتى الآن حول الصيغة المفترضة للمحادثات أو الهدف النهائي لها، ويقترح المستشار الروسي للأمم المتحدة فيتالي ناومكين الصيغة التالية للمؤتمر، بحيث تستضيف العاصمة الكازاخية مسارين متوازيين الأول لاجتماع الحكومات المعنية بالشأن السوري والثانية للوفود السورية، وفيما يخص الاجتماع الأول فإن الدعوات موجهة مسبقة إلى إيران، تركيا وروسيا ولكن الخلاف الآن يتمحور حول الدول الأخرى التي يجب دعوتها.

وتتمسك طهران في الوقت الراهن بفكرة حصر المشاركة بين الدول الثلاثة الأساسية المذكورة مسبقا، ويبدو ان هذا التعنت الإيراني يغضب الأتراك غير المرتاحين أصلا لفكرة الجلوس بين داعمين أساسيين للأسد، لذا يصر الأتراك على دعوة الولايات المتحدة، قطر والسعودية للمحادثات مما أحدث حرب كلامية بين طهران وأنقرة.

وللمرة الأولى نجد روسيا إلى جانب الأتراك في النقاشات المتعلقة بسوريا، فبوتين يريد ان يوسع من عدد المشاركين لإعطاء وزن أكبر لمحادثات الأستانة، وتضخيم المخرجات المحتملة له، بالإضافة الى تلميع صورة روسيا في المجتمع الدولي. وقد أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى مصر، السعودية، قطر، العراق والأردن كمشاركين محتملين في المحادثات، في الوقت الذي لمح فيه الى الجائزة الكبرى وهي مشاركة الولايات المتحدة حين قال “آمل أيضا بمجرد تولي إدارة ترامب الحكم أن تشارك في هذه الجهود بحيث يمكن للجميع العمل في هذه المنطقة بروح ودية وكفريق عمل واحد”.

الأستانة وفصائل المعارضة السورية

يتفق المنظمون الثلاثة لمؤتمر الأستانة على أن السوريين يجب أن يكون لهم دور في مناقشة مستقبل سوريا. حكومة الأسد سبق وأن صرحت بأنها ذاهبة إلى الأستانة، والجهود ما زالت مستمرة لجلب فصائل معارضة رئيسية غير جهادية إلى المؤتمر أيضا.

ولتعزيز هذه الجهود، وبهدف تقديم تنازلات لتركيا، قامت روسيا بتغيير نظرتها بشكل مفاجئ اتجاه فصيلين معارضين صديقين لأنقرة، هما أحرار الشام وجيش الإسلام. فقبل نحو شهرين من الآن أدان الكرملين بوضوح الفصيلين وطالب بوضعهما على لائحة الإرهاب في الأمم المتحدة، لكن في الـ٢٩ من الشهر المنصرم أعلن وزير الدفاع الروسي أن جيش الإسلام وأحرار الشام جزء من المعارضة المعتدلة.

ولكن مع كل هذه المحاولات الروسية، يبدو من الصعب التوصل إلى تشكيل وفد حقيقي للمعارضة الروسية، فأحرار الشام تراهن على الطرفين وأشارت إلى عدم ذهابها إلى الأستانة، فيما يطالب جيش الإسلام بالمزيد من الضغط على الأسد مهددا بتعليق مشاركته في المحادثات، من جانبها تقوم إيران بالتعبير عن غضبها لذلك وتطالب بعدم جلوس الإرهابيين على طاولة المفاوضات.

ماذا سيحدث لاحقا؟

أصبحت اللعبة الدبلوماسية في سوريا متغيرة دوما ولا يمكن توقعها، ومع تغيير عدد من اللاعبين لسياساتهم، فإن الشخصيات الممثلة لهؤلاء اللاعبين في مهب الريح، ولكن ما يمكن قوله عن محادثات الأستانة هو أنها مقامرة مرتجلة لاستفادة مفاجئة للفرص ومعالجة الحاجات الملحة ضمن قيود محددة، أكثر من أنها خطة سرية طموحة. وقد يكون من الصعب التقريب بين وجهتي نظر بوتين وأردوغان فيما يتعلق بقضايا جوهرية مثل مصير الأسد، لكن يمكن لهما أن يبنيان أرضية مشتركة.

ومن الناحية الأساسية، فإن ما سينتج عن العاصمة الكازاخية سيغذي محادثات جنيف ٣، مما سيزيد من الوزن النوعي لمحادثات الأستانة في المفاوضات المستقبلية، كما سيخلق فرص دبلوماسية جديدة للمعسكر الموالي للأسد وتركيا في آن، كما تأمل روسيا وإيران في زيادة الانقسام والاستقطاب بين فصائل المعارضة السورية حول موضوع الأستانة، وإغضاب الدول الغربية في الوقت نفسه. من جانبه يستطيع أردوغان بالعمل مع روسيا وإيران أن يعمق من العزلة للأذرع السورية لحزب العمال الكردستاني، وربما مهاجمتهم في مدينتي عفرين ومنبج.

لكن دعونا ألا نخمن كثيرا عما سيحدث، فكل ما نعرفه أن اتفاق الهدنة قد ينهار غدا وقد لا يكون هناك أي مؤتمر في الأستانة، الضباب الدبلوماسي لايزال صعب الاختراق، مع وجود عدد من اللاعبين لا يمكن توقع خططهم، والعديد من الأقسام والمناطق المتغيرة والعديد من الأسئلة غير معروفة الجواب. ولكن مهما جرى لاتفاق الهدنة، ومهما جرى لمؤتمر الأستانة، للمعارضة، للأتراك، للروس، لسياسة إيران الخارجية يبقى اللغز الأهم هو: ماذا سيفعل دونالد؟

التعليقات

التعليقات

شاهد أيضاً

الخروج من حلقة العنف المفرغة في سوريا

حسن حسن – ذا ناشيونال مع تصاعد العنف بين تركيا والميليشيات الكردية في شمال سوريا، …